محمد بن جرير الطبري
3
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لهذا المؤمن ، لاستضعافهم إياه غضبة لم تبق من القوم شيئا ، فعجل لهم النقمة بما استحلوا منه ، وقال : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ يقول : ما كاثرناهم بالجموع : أي الأمر أيسر علينا من ذلك إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ فأهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكية ، فبادوا عن وجه الأرض ، فلم تبق منهم باقية وهذا القول الثاني بل عني بذلك أن الله تعالى ذكره لم يبعث لهم جنودا . . . أولى القولين بتأويل الآية ، وذلك أن الرسالة لا يقال لها جند إلا أن يكون أراد مجاهد بذلك الرسل ، فيكون وجها ، وإن كان أيضا من المفهوم بظاهر الآية بعيدا ، وذلك أن الرسل من بني آدم لا ينزلون من السماء والخبر في ظاهر هذه الآية عن أنه لم ينزل من السماء بعد مهلك هذا المؤمن على قومه جندا وذلك بالملائكة أشبه منه ببني آدم . وقوله : إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ يقول : ما كانت هلكتهم إلا صيحة واحدة أنزلها الله من السماء عليهم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً نصبا على التأويل الذي ذكرت ، وأن في " كانت " مضمرا . وذكر عن أبي جعفر المدني أنه قرأه : " إلا صيحة واحدة " رفعا على أنها مرفوعة بكان ، ولا مضمر في كان . والصواب من القراءة في ذلك عندي النصب لإجماع الحجة على ذلك ، وعلى أن في " كانت " مضمرا . وقوله : فَإِذا هُمْ خامِدُونَ يقول : فإذا هم هالكون . القول في تأويل قوله تعالى : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يقول تعالى ذكره : يا حسرة من العباد على أنفسها وتندما وتلهفا في استهزائهم برسل الله ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ من الله إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وذكر أن ذلك في بعض القراءات : " يا حسرة العباد على أنفسها " . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ أي يا حسرة العباد على أنفسها على ما ضيعت من أمر الله ، وفرطت في جنب الله قال : وفي بعض القراءات : " يا حسرة العباد على أنفسها " . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ؛ قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ قال : كان حسرة عليهم استهزاؤهم بالرسل حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ يقول : يا ويلا للعباد . وكان بعض أهل العربية يقول : معنى ذلك : يا لها حسرة على العباد القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ . . . لَدَيْنا مُحْضَرُونَ يقول تعالى ذكره : ألم ير هؤلاء المشركون بالله من قومك يا محمد كم أهلكنا قبلهم بتكذيبهم رسلنا ، وكفرهم بآياتنا من القرون الخالية أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ يقول : ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ قال : عاد وثمود ، وقرون بين ذلك كثير و " كم " من قوله : كَمْ أَهْلَكْنا في موضع نصب إن شئت بوقوع يروا عليها . وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " ألم يروا من أهلكنا " وإن شئت بوقوع أهلكنا عليها ؛ وأما " وأنهم " ، فإن الألف منها فتحت بوقوع يروا عليها . وذكر عن بعضهم أنه كسر الألف منها على وجه الاستئناف بها ، وترك إعمال " يروا " فيها . وقوله : وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ يقول تعالى ذكره : وإن كل هذه القرون التي أهلكناها والذين لم نهلكهم وغيرهم عندنا يوم القيامة جميعهم محضرون ، كما : حدثنا